عَلَى مَرْصَدِي أَقِفُ، وَعَلَى الْحِصْنِ أَنْتَصِبُ، وَأُرَاقِبُ لأَرَى مَاذَا يَقُولُ لِي، وَمَاذَا أُجِيبُ عَنْ شَكْوَايَ. ٢ فَأَجَابَنِي الرَّبُّ وَقَالَ: «اكْتُبِ الرُّؤْيَا وَانْقُشْهَا عَلَى الأَلْوَاحِ لِكَيْ يَرْكُضَ قَارِئُهَا، ٣ لأَنَّ الرُّؤْيَا بَعْدُ إِلَى الْمِيعَادِ، وَفِي النِّهَايَةِ تَتَكَلَّمُ وَلاَ تَكْذِبُ. إِنْ تَوَانَتْ فَانْتَظِرْهَا لأَنَّهَا سَتَأْتِي إِتْيَانًا وَلاَ تَتَأَخَّرُ. ٤ «هُوَذَا مُنْتَفِخَةٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ نَفْسُهُ فِيهِ. وَالْبَارُّ بِإِيمَانِهِ يَحْيَا.
(حبقوق ٢: ١-٤)
لقد كان حبقوق يقف وسط مأساة حقيقية على مستوى الأمة.. الشعب يتمرغ في الخطية.. خدام الأقداس غير مقدسين والشريعة تعطل العمل بها وصار كل واحد يعمل ما يحسن في عينيه.. صرخ للرب كثيراً لكن الرب حين أجابه لم تكن الإجابة مريحة لقلب حبقوق بل ربما وجعته أكثر إذ أخبره الرب أنه سيستخدم بابل لتأديب شعبه.. فتحير حبقوق أكثر وفي قمة حيرته وقف على مرصده النبوي وفتح الرب عينيه ليرى رؤى الرب.
وبين ما رآه.. الذي هو حقيقي لكنه غير واقع بعد وبين الواقع المرير المحيط به من كل جهة والذي تشبعت حواسه به إلى حد مؤلم.. جاءه هذا الإعلان الحاسم: “البار بإيمانه يحيا”
البار يؤمن بما قاله الله ويتوقعه بالصبر أما أن يضع حبقوق قلبه على ما يحيط به من بؤس ويثبت نظره على الشر بكل حواسه وفكره وشعوره حتى يصير “واعياً بهذا الواقع الشرير بدرجة مؤلمة” حتى يُبتَلَع من وعيه بهذا الشر فهذا هو السلوك بالعيان..
والكتاب يقول: لأَنَّنَا بِالإِيمَانِ نَسْلُكُ لاَ بِالْعِيَانِ. (٢ كورنثوس ٥: ٧)
عاش حبقوق بالإيمان وسط الواقع المؤلم فاستطاع أن يقول:
١٧ فَمَعَ أَنَّهُ لاَ يُزْهِرُ التِّينُ، وَلاَ يَكُونُ حَمْلٌ فِي الْكُرُومِ. يَكْذِبُ عَمَلُ الزَّيْتُونَةِ، وَالْحُقُولُ لاَ تَصْنَعُ طَعَامًا. يَنْقَطِعُ الْغَنَمُ مِنَ الْحَظِيرَةِ، وَلاَ بَقَرَ فِي الْمَذَاوِدِ، ١٨ فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ وَأَفْرَحُ بِإِلهِ خَلاَصِي. ١٩ اَلرَّبُّ السَّيِّدُ قُوَّتِي، وَيَجْعَلُ قَدَمَيَّ كَالأَيَائِلِ، وَيُمَشِّينِي عَلَى مُرْتَفَعَاتِي.لِرَئِيسِ الْمُغَنِّينَ عَلَى آلاَتِي ذَوَاتِ الأَوْتَارِ. (حبقوق ٣: ١٧-١٩)
لقد عاش حبقوق في السنوات الأخيرة لمملكة يهوذا حيث ساد الفساد والظلم وعبادة الاوثان لكنه أؤتمن على وعد بأزمنة أفضل وعلى تأكيد بأن الله رغم كل شيء هو ضابط الكل وله في الواقع أحكام وأعمال غير مرئية بالعيان.. نرى في أيام حبقوق شبه كبير بأيامنا وفي حيرة حبقوق شبه كبير بحيرتنا ولذلك نحتاج لما تسلح به حبقوق “الإيمان” الذي به فرح رغم كل شيء وابتهج ب “إله خلاصه” لانه لم يكن قد اختبر “خلاص إلهه” بعد..ابتهج ليس بأمور أفضل حادثة أمامه بل بأمور يترجاها.. الإيمان يعطيك الفرح الحقيقي حتى وأنت لا تملك بين يديك ما يفرح قلبك.
الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ تُحِبُّونَهُ. ذلِكَ وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ الآنَ لكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ، (١ بطرس ١: ٨)
الإيمان ف الكتاب المقدس:
إيمان الخلاص: الإيمان بالمسيح الفادي والمخلص الذي يحبني الذي نناله لكي نولد الولادة الثانية.
لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ.
(أفسس ٢: ٨)
إيمان التعليم: الحقائق الروحية الخاصة بالمسيحية.
٣ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ كُنْتُ أَصْنَعُ كُلَّ الْجَهْدِ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنِ الْخَلاَصِ الْمُشْتَرَكِ، اضْطُرِرْتُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ وَاعِظًا أَنْ تَجْتَهِدُوا لأَجْلِ الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ. ٤ لأَنَّهُ دَخَلَ خُلْسَةً أُنَاسٌ قَدْ كُتِبُوا مُنْذُ الْقَدِيمِ لِهذِهِ الدَّيْنُونَةِ، فُجَّارٌ، يُحَوِّلُونَ نِعْمَةَ إِلهِنَا إِلَى الدَّعَارَةِ، وَيُنْكِرُونَ السَّيِّدَ الْوَحِيدَ: اللهَ وَرَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ.
(يهوذا ١: ٣، ٤)
إيمان الشياطين: إيمان بالحقائق الخاصة بالله دون الخضوع له وطلب رحمته أو الشركة في طبيعته.
أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفْعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ!
(يعقوب ٢: ١٩)
إيمان الثقة:
وأما الإيمان فهو الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا ترى.
(العبرانيين ١١: ١)
وهو الدخول في تدبير الله لثقتنا فيه وفي كلمته وفي عمله.
تأتي كلمة “الثقة” في عب ١:١١ في الأصل اليوناني “υποστασις” والتي تعني في المقام الأول بحسب قاموس “strong” : أساس أو قوام وهي ذات الكلمة المترجمة “جوهر” في عب ٣:١
أما كلمة “الإيقان” فتأتي في الأصل: “ελεγχος” والتي يعرفها نفس القاموس ب “برهان”
لذلك جاءت الآية في الترجمة اليسوعية هكذا:
“فالإِيمانُ قِوامُ الأُمورِ الَّتي تُرْجى وبُرْهانُ الحَقائِقِ الَّتي لا تُرى”
العبرانيّين ١:١١ ت.ك.ع
هذا المعنى يجعل من الآية شرحاً لطبيعة عمل الإيمان أكثر منها تعريفاً له كحقيقة روحية فالإيمان بحسب هذا المعنى هو الثقة في الرب التي تكوِّن القوام الذي نمسكه للأشياء التي نرجوها وكأن لها وجود من نوع آخر في داخلنا! ولأننا نمسكه في الداخل فإننا نثق بحدوثه ( أنا مالي ايدي من كذا: أنا واثق فيه) والثقة في الله التي تصير لنا برهانا على وجود أشياء لا يمكن برهنة وجودها للمنطق والعين البشرية إذ هي لا تُرى.
بمعنى آخر: إيماني هو وجود من نوع تاني في قلبي للحاجات اللي برجوها من الرب فأقدر أمسكها وأثق فيها.. وهو البرهان على الحقايق اللي مش متشافة عشان كدة أنا متأكد منها.
يد الإيمان:
لا يوجد إيمان بدون كلمة فالكتاب يقول:
إِذًا الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ. (رومية ١٠: ١٧)
حيث حرف الجر “ب” يأتي في الأصل: “ἐξ” بمعنى “من داخل” وكلمة “الخبر” هي “ακοης” والتي تعني: “السمع” أي أن الإيمان هو وليد السمع والسمع هو بكلمة “ρεμα” المسيح.
فالإيمان إذا يخرج من داخل السمع بكلمة الله ولأن الكلمة قوة خلاقة فإنها تخلق حين يسمعها الإنسان الروحي قواماً يمكن التمسك به في الداخل للأمور المرجوة المعلنة في هذه الكلمة.
لذلك فالذي يؤمن هو بالفعل يمسك بما يرجوه من الله داخل قلبه.. يمسك بصورة له سرية في القلب لا يستطيع أحد أن يراها أو يمسكها غيره.
بِالإِيمَانِ سَقَطَتْ أَسْوَارُ أَرِيحَا بَعْدَمَا طِيفَ حَوْلَهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ.
(العبرانيين ١١: ٣٠)
ما علاقة سقوط أسوار أريحا بالإيمان؟
١٣ وَحَدَثَ لَمَّا كَانَ يَشُوعُ عِنْدَ أَرِيحَا أَنَّهُ رَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ، وَإِذَا بِرَجُل وَاقِفٍ قُبَالَتَهُ، وَسَيْفُهُ مَسْلُولٌ بِيَدِهِ. فَسَارَ يَشُوعُ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: «هَلْ لَنَا أَنْتَ أَوْ لأَعدَائِنَا؟» ١٤ فَقَالَ: «كَلاَّ، بَلْ أَنَا رَئِيسُ جُنْدِ الرَّبِّ. الآنَ أَتَيْتُ». فَسَقَطَ يَشُوعُ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ، وَقَالَ لَهُ: «بِمَاذَا يُكَلِّمُ سَيِّدِي عَبْدَهُ؟» ١٥ فَقَالَ رَئِيسُ جُنْدِ الرَّبِّ لِيَشُوعَ: «اخْلَعْ نَعْلَكَ مِنْ رِجْلِكَ، لأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ هُوَ مُقَدَّسٌ». فَفَعَلَ يَشُوعُ كَذلِكَ. (يشوع ٥: ١٣-١٥)
١ وَكَانَتْ أَرِيحَا مُغَلَّقَةً مُقَفَّلَةً بِسَبَبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. لاَ أَحَدٌ يَخْرُجُ وَلاَ أَحَدٌ يَدْخُلُ. ٢ فَقَالَ الرَّبُّ لِيَشُوعَ: «انْظُرْ. قَدْ دَفَعْتُ بِيَدِكَ أَرِيحَا وَمَلِكَهَا، جَبَابِرَةَ الْبَأْسِ. (يشوع ٦: ١، ٢)
الرب قال ليشوع أنه دفع بيده أريحا.. فبسماع يشوع لهذا الوعد أمسك بيد الإيمان أريحا.. امتلكها بالفعل.. كان الشعب يدور حول أريحا ويشوع ينظر إليهم وهو يعلم أنها مسألة وقت لأن أريحا في يده.. كلمة الرب خلقت قوام لأريحا في قلب يشوع وقد أمسك به.
كان الرب يستخدم صوراً وأسماءاً ليملأ خيال ابراهيم بالمواعيد.. هل كانت الصور التي من الطبيعة والأسماء تطبع في وعي ابراهيم صوراً يمكن الإمساك بها للمواعيد المنتظرة؟
٥ ثُمَّ أَخْرَجَهُ إِلَى خَارِجٍ وَقَالَ: «انْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ وَعُدَّ النُّجُومَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعُدَّهَا». وَقَالَ لَهُ: «هكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ». ٦ فَآمَنَ بِالرَّبِّ فَحَسِبَهُ لَهُ بِرًّا. (التكوين ١٥: ٥، ٦)
أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً، وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيرًا كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ، (التكوين ٢٢: ١٧)
فَلاَ يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ، لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ. (التكوين ١٧: ٥)
عين الإيمان:
في مسيرتنا مع الله هناك نوعين من الأمور التي نتعامل معها دون أن نراها:
الأشياء التي نرجوها من الله والتي لا نراها لأنها لم تحدث بعد في حياتنا.. لذلك يقول: لأَنَّنَا بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا. وَلكِنَّ الرَّجَاءَ الْمَنْظُورَ لَيْسَ رَجَاءً، لأَنَّ مَا يَنْظُرُهُ أَحَدٌ كَيْفَ يَرْجُوهُ أَيْضًا؟ (رومية ٨: ٢٤)
والحقائق الإلهية الروحية غير المنظورة بالعين البشرية. كعالم الروح وسكنى الروح القدس فينا وحضور الله وعمله في السري في النفس.. والتي لا نراها لأن هذه هي طبيعتها بالنسبة للعين البشرية.
وهذا هو ما ننال عطية الإيمان لأجله.. لأجل التعامل مع ما لا يُرى.
فلكي أسير مع الله وأتمم مشيئته يجب أن أرى ما لا يُرى.
يقول الكتاب: وَنَحْنُ غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ. (٢ كورنثوس ٤: ١٨)
حيث كلمة “ناظرين” تأتي في الأصل: “σκοπεω” التي لا تعني أن ننظر فحسب بل ان نركز النظر “نتفرس” في الأشياء التي لا تُرى.
إن الآية تحتوي على تناقض ظاهري صارخ .. فكيف نرى ونطيل التفرس في أشياء لا تُرى بطبيعتها؟
الإجابة في سياق الآية.. إذ يقول:
١٣ فَإِذْ لَنَا رُوحُ الإِيمَانِ عَيْنُهُ، حَسَبَ الْمَكْتُوب:«آمَنْتُ لِذلِكَ تَكَلَّمْتُ»، نَحْنُ أَيْضًا نُؤْمِنُ وَلِذلِكَ نَتَكَلَّمُ أَيْضًا. ١٤ عَالِمِينَ أَنَّ الَّذِي أَقَامَ الرَّبَّ يَسُوعَ سَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ، وَيُحْضِرُنَا مَعَكُمْ. (٢ كورنثوس ٤: ١٣، ١٤)
إن قارننا هذه الكلمات مع عب ١:١١ سنرى أن بولس يعرض بنا نسخة عملية معاشة من تعريف عمل الإيمان في رسالة العبرانيين.. فإذ له روح الإيمان وقد آمن بالرب فهو يدرك جيداً أن الذي أقام يسوع سيقيمه ويحضره مع الكنيسة (أمر أتٍ يرجوه).. وهو يضع نظره على الأشياء التي لا تُرى (لديه برهان على وجود حقائق غير مرئية بل وقدرة على التعامل معها).
إذن إن سر التناقض الظاهري في الآية هو الإيمان! الإيمان إذن له عين متخصصة في رؤية ما لا يُرى!.. أو هو الرؤية بعيون الرب.
لذلك يقول عن موسى: بِالإِيمَانِ تَرَكَ مِصْرَ غَيْرَ خَائِفٍ مِنْ غَضَبِ الْمَلِكِ،لأَنَّهُ تَشَدَّدَ، كَأَنَّهُ يَرَى مَنْ لاَ يُرَى. (العبرانيين ١١: ٢٧)
فإن الإيمان الذي يجعلنا نرى من لا يُرى يعطينا أن نرى بمن لا يُرى.
هذه العين حاسة يتم تربيتها بالتسليم والطاعة ونقاوة القلب.
بطلب رؤية الرب وما للرب بالإجتهاد في التركيز على ما لا يرى (كتنشيط العين الكسولة بإجبار المخ على الإعتماد عليها)
فم الإيمان:
لأَنَّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ.
(رومية ١٠: ١٠)
فَإِذْ لَنَا رُوحُ الإِيمَانِ عَيْنُهُ، حَسَبَ الْمَكْتُوب:«آمَنْتُ لِذلِكَ تَكَلَّمْتُ»، نَحْنُ أَيْضًا نُؤْمِنُ وَلِذلِكَ نَتَكَلَّمُ أَيْضًا.
(٢ كورنثوس ٤: ١٣)
يقول القديس بولس أنه آمن لذلك يتكلم “λαλεο”.. فإن ما ننطق به إن كان في القلب إيمان حتماً سيحمل قوة إيمان لأنه مكتوب:
اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الصَّالِحِ يُخْرِجُ الصَّلاَحَ، وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشَّرَّ. فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ فَمُهُ.
(لوقا ٦: ٤٥)
لا نجد هنا الرب يسوع يقول “يخرج كلام عن الصلاح” بل “يخرج الصلاح” ولا يقول “يخرج كلام عن الشر أو كلام شرير” بل “يخرج الشر”.. وبنفس المبدأ فإن القلب الممتليء إيمان إذا نطق يخرج إيمان.. وهذا الإيمان الذي يؤثر في السامعين يؤثر قبل كل شيء في قائله.. إن ما نقوله فنسمعه ويمتليء خيالنا به ونحن نعلنه سوف يؤثر صداه مرة أخرى في القلب الذي خرج القول منه مما يعضد الإيمان إذا كان الكلام المعلن يتفق مع كلمة الله التي أنشأت في القلب هذا الإيمان..والعكس صحيح.. لذلك يقول:
٢٠ مِنْ ثَمَرِ فَمِ الإِنْسَانِ يَشْبَعُ بَطْنُهُ، مِنْ غَلَّةِ شَفَتَيْهِ يَشْبَعُ. ٢١ اَلْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فِي يَدِ اللِّسَانِ، وَأَحِبَّاؤُهُ يَأْكُلُونَ ثَمَرَهُ.
(الأمثال ١٨: ٢٠، ٢١)
فالقلب يثمر باللسان حين ينطق ثم يتغذى نفس القلب على نصيبه من الثمرة المنطوقة!
وكلما تشدد القلب بالإيمان ضمن نوال الوعد أكثر.
مثال: ٩ لأَنَّكَ قُلْتَ:
«أَنْتَ يَا رَبُّ مَلْجَإِي». جَعَلْتَ الْعَلِيَّ مَسْكَنَكَ، ١٠ لاَ يُلاَقِيكَ شَرٌّ، وَلاَ تَدْنُو ضَرْبَةٌ مِنْ خَيْمَتِكَ.
(المزامير ٩١: ٩، ١٠)
لأنه “قال” يختبر ما يقوله بإيمان!
هل أستطيع أن أقول أنه عندما نقول بإيمان فيما نقوله خلاف ما تكلم به الرب فإننا ندخل بأنفسنا في مجال العدو للتأثير على أفكارنا ونفسياتنا ومن ثم أفعالنا؟
كما قيل:
وَقَالَ دَاوُدُ فِي قَلْبِهِ: «إِنِّي سَأَهْلِكُ يَوْمًا بِيَدِ شَاوُلَ، فَلاَ شَيْءَ خَيْرٌ لِي مِنْ أَنْ أُفْلِتَ إِلَى أَرْضِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، فَيَيْأَسُ شَاوُلُ مِنِّي فَلاَ يُفَتِّشُ عَلَيَّ بَعْدُ فِي جَمِيعِ تُخُومِ إِسْرَائِيلَ، فَأَنْجُو مِنْ يَدِهِ».
(صموئيل الأول ٢٧: ١)
لذلك يحذر الكتاب:
لاَ تَقُلْ: «إِنِّي أُجَازِي شَرًّا». انْتَظِرِ الرَّبَّ فَيُخَلِّصَكَ.
(الأمثال ٢٠: ٢٢)
لاَ تَدَعْ فَمَكَ يَجْعَلُ جَسَدَكَ يُخْطِئُ، وَلاَ تَقُلْ قُدَّامَ الْمَلاَكِ: «إِنَّهُ سَهْوٌ». لِمَاذَا يَغْضَبُ اللهُ عَلَى قَوْلِكَ، وَيُفْسِدُ عَمَلَ يَدَيْكَ؟
(الجامعة ٥: ٦)
وقد يصل الأمر إلى فقدان أشياء وهبت لنا ميراثاً:
١٦ هذِهِ أَسْمَاءُ الرِّجَالِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ مُوسَى لِيَتَجَسَّسُوا الأَرْضَ. وَدَعَا مُوسَى هُوشَعَ بْنَ نُونَ «يَشُوعَ». ١٧ فَأَرْسَلَهُمْ مُوسَى لِيَتَجَسَّسُوا أَرْضَ كَنْعَانَ، وَقَالَ لَهُمُ: «اصْعَدُوا مِنْ هُنَا إِلَى الْجَنُوبِ وَاطْلَعُوا إِلَى الْجَبَلِ، ١٨ وَانْظُرُوا الأَرْضَ، مَا هِيَ: وَالشَّعْبَ السَّاكِنَ فِيهَا، أَقَوِيٌّ هُوَ أَمْ ضَعِيفٌ؟ قَلِيلٌ أَمْ كَثِيرٌ؟ ١٩ وَكَيْفَ هِيَ الأَرْضُ الَّتِي هُوَ سَاكِنٌ فِيهَا، أَجَيِّدَةٌ أَمْ رَدِيئَةٌ؟ وَمَا هِيَ الْمُدُنُ الَّتِي هُوَ سَاكِنٌ فِيهَا، أَمُخَيَّمَاتٌ أَمْ حُصُونٌ؟ ٢٠ وَكَيْفَ هِيَ الأَرْضُ، أَسَمِينَةٌ أَمْ هَزِيلَةٌ؟ أَفِيهَا شَجَرٌ أَمْ لاَ؟ وَتَشَدَّدُوا فَخُذُوا مِنْ ثَمَرِ الأَرْضِ». وَأَمَّا الأَيَّامُ فَكَانَتْ أَيَّامَ بَاكُورَاتِ الْعِنَبِ.
(العدد ١٣: ١٦-٢٠)
٢٥ ثُمَّ رَجَعُوا مِنْ تَجَسُّسِ الأَرْضِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. ٢٦ فَسَارُوا حَتَّى أَتَوْا إِلَى مُوسَى وَهَارُونَ وَكُلِّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِلَى بَرِّيَّةِ فَارَانَ، إِلَى قَادَشَ، وَرَدُّوا إِلَيْهِمَا خَبَرًا وَإِلَى كُلِّ الْجَمَاعَةِ وَأَرَوْهُمْ ثَمَرَ الأَرْضِ. ٢٧ وَأَخْبَرُوهُ وَقَالُوا: «قَدْ ذَهَبْنَا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَرْسَلْتَنَا إِلَيْهَا، وَحَقًّا إِنَّهَا تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلاً، وَهذَا ثَمَرُهَا. ٢٨ غَيْرَ أَنَّ الشَّعْبَ السَّاكِنَ فِي الأَرْضِ مُعْتَزٌّ، وَالْمُدُنُ حَصِينَةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا. وَأَيْضًا قَدْ رَأَيْنَا بَنِي عَنَاقَ هُنَاكَ. ٢٩ الْعَمَالِقَةُ سَاكِنُونَ فِي أَرْضِ الْجَنُوبِ، وَالْحِثِّيُّونَ وَالْيَبُوسِيُّونَ وَالأَمُورِيُّونَ سَاكِنُونَ فِي الْجَبَلِ، وَالْكَنْعَانِيُّونَ سَاكِنُونَ عِنْدَ الْبَحْرِ وَعَلَى جَانِبِ الأُرْدُنِّ». ٣٠ لكِنْ كَالِبُ أَنْصَتَ الشَّعْبَ إِلَى مُوسَى وَقَالَ: «إِنَّنَا نَصْعَدُ وَنَمْتَلِكُهَا لأَنَّنَا قَادِرُونَ عَلَيْهَا». ٣١ وَأَمَّا الرِّجَالُ الَّذِينَ صَعِدُوا مَعَهُ فَقَالُوا: «لاَ نَقْدِرْ أَنْ نَصْعَدَ إِلَى الشَّعْبِ، لأَنَّهُمْ أَشَدُّ مِنَّا». ٣٢ فَأَشَاعُوا مَذَمَّةَ الأَرْضِ الَّتِي تَجَسَّسُوهَا، فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلِينَ: «الأَرْضُ الَّتِي مَرَرْنَا فِيهَا لِنَتَجَسَّسَهَا هِيَ أَرْضٌ تَأْكُلُ سُكَّانَهَا، وَجَمِيعُ الشَّعْبِ الَّذِي رَأَيْنَا فِيهَا أُنَاسٌ طِوَالُ الْقَامَةِ. ٣٣ وَقَدْ رَأَيْنَا هُنَاكَ الْجَبَابِرَةَ، بَنِي عَنَاقٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ. فَكُنَّا فِي أَعْيُنِنَا كَالْجَرَادِ، وَهكَذَا كُنَّا فِي أَعْيُنِهِمْ».
(العدد ١٣: ٢٥-٣٣)
١ فَرَفَعَتْ كُلُّ الْجَمَاعَةِ صَوْتَهَا وَصَرَخَتْ، وَبَكَى الشَّعْبُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. ٢ وَتَذَمَّرَ عَلَى مُوسَى وَعَلَى هَارُونَ جَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَالَ لَهُمَا كُلُّ الْجَمَاعَةِ: «لَيْتَنَا مُتْنَا فِي أَرْضِ مِصْرَ، أَوْ لَيْتَنَا مُتْنَا فِي هذَا الْقَفْرِ! ٣ وَلِمَاذَا أَتَى بِنَا الرَّبُّ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ لِنَسْقُطَ بِالسَّيْفِ؟ تَصِيرُ نِسَاؤُنَا وَأَطْفَالُنَا غَنِيمَةً. أَلَيْسَ خَيْرًا لَنَا أَنْ نَرْجعَ إِلَى مِصْرَ؟» ٤ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «نُقِيمُ رَئِيسًا وَنَرْجعُ إِلَى مِصْرَ». ٥ فَسَقَطَ مُوسَى وَهَارُونُ عَلَى وَجْهَيْهِمَا أَمَامَ كُلِّ مَعْشَرِ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. ٦ وَيَشُوعُ بْنُ نُونَ وَكَالِبُ بْنُ يَفُنَّةَ، مِنَ الَّذِينَ تَجَسَّسُوا الأَرْضَ، مَزَّقَا ثِيَابَهُمَا ٧ وَكَلَّمَا كُلَّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلَيْنِ: «الأَرْضُ الَّتِي مَرَرْنَا فِيهَا لِنَتَجَسَّسَهَا جَيِّدَةٌ جِدًّا جِدًّا. ٨ إِنْ سُرَّ بِنَا الرَّبُّ يُدْخِلْنَا إِلَى هذِهِ الأَرْضِ وَيُعْطِينَا إِيَّاهَا، أَرْضًا تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلاً. ٩ إِنَّمَا لاَ تَتَمَرَّدُوا عَلَى الرَّبِّ، وَلاَ تَخَافُوا مِنْ شَعْبِ الأَرْضِ لأَنَّهُمْ خُبْزُنَا. قَدْ زَالَ عَنْهُمْ ظِلُّهُمْ، وَالرَّبُّ مَعَنَا. لاَ تَخَافُوهُمْ». ١٠ وَلكِنْ قَالَ كُلُّ الْجَمَاعَةِ أَنْ يُرْجَمَا بِالْحِجَارَةِ. ثُمَّ ظَهَرَ مَجْدُ الرَّبِّ فِي خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ لِكُلِّ بَنِي إِسْرَائِيلَ. (العدد ١٤: ١-١٠)
٢٦ وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَهَارُونَ قَائِلاً: ٢٧ «حَتَّى مَتَى أَغْفِرُ لِهذِهِ الْجَمَاعَةِ الشِّرِّيرَةِ الْمُتَذَمِّرَةِ عَلَيَّ؟ قَدْ سَمِعْتُ تَذَمُّرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي يَتَذَمَّرُونَهُ عَلَيَّ. ٢٨ قُلْ لَهُمْ: حَيٌّ أَنَا يَقُولُ الرَّبُّ، لأَفْعَلَنَّ بِكُمْ كَمَا تَكَلَّمْتُمْ فِي أُذُنَيَّ. ٢٩ فِي هذَا الْقَفْرِ تَسْقُطُ جُثَثُكُمْ، جَمِيعُ الْمَعْدُودِينَ مِنْكُمْ حَسَبَ عَدَدِكُمْ مِنِ ابْنِ عِشْرِينَ سَنَةً فَصَاعِدًا الَّذِينَ تَذَمَّرُوا عَلَيَّ. ٣٠ لَنْ تَدْخُلُوا الأَرْضَ الَّتِي رَفَعْتُ يَدِي لأُسْكِنَنَّكُمْ فِيهَا، مَا عَدَا كَالِبَ بْنَ يَفُنَّةَ وَيَشُوعَ بْنَ نُونٍ.
(العدد ١٤: ٢٦-٣٠)
الإيمان لازم لتتميم دعوتنا ومقاصد الله في حياتنا
إن الله لا يجهز لي كل أعماله في حياتي ويظهرها في العالم المنظور ثم يدعوني للتمتع بها.. لكن الله جهز بالفعل من قبل تأسيس العالم خطته لحياتي وأعماله تجاهي وأعماله بي وهو يدعوني لكي أشترك معه في إظهارها في العالم المنظور.. ولكن كيف أشترك معه في إظهار أشياء إلا إذا وثقت به فوثقت بأنها معدة وقابلة للتحقيق.
يقول الكتاب عن الرب:
كما هو مكتوب:«إني قد جعلتك أبا لأمم كثيرة». أمام الله الذي آمن به، الذي يحيي الموتى، ويدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة. (رومية ٤: ١٧)
آمن إبراهيم بأمور غير موجودة في العالم المنظور وتيقن منها لأن الله دعاها إلى الوجود وسماها وكأنها موجودة.. وهكذا كانت له.

